كتبها محمد جرامون في 10:06 صباحاً ::
منطق متسلسل و جيد في محاربة الغلاء، ليس فقط بمصر و لكن بكافة الدول التى تعاني من غول الغلاء و قلة البركة.
أشكر لك تعليقك، و أتمني أن يكون العلاج الديني أساسا و منهاجا للإقتصاد و عدم التبذير و إعمال العقل قبل المعدة ..في سبيل محاربة الجشع و الغلاء.. و الدنيا..
يقول الدكتور محمد عبد الحليم مدير مركز الاقتصاد الإسلامى بجامعة الأزهر الشريف: من الكلمات الجامعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرء اكتسب طيباً وأنفق قصداً وقدم فضلاً ليوم حاجته) فهذه العبارة البسيطة فى حجمها تحمل فى طياتها العناصر الأساسية للاقتصاد علماً ونشاطاُ كما يتفق عليه علماء العصر، فالهدف من الاقتصاد هو توفير السلع والخدمات التى يستهلكها الإنسان لإشباع حاجاته، ولابد أن تسبق عملية الاستهلاك وظيفة إنتاج هذه السلع والخدمات، وبالتالى فإن الوظائف الاقتصادية الكلية أو الرئيسية هى الإنتاج والاستهلاك، وكل منها يحتاج إلى تمويل يحصل بواسطته المنتج على عناصر الإنتاج من خامات وعمل وآلات ومعدات، ويشترى به المستهلك السلع والخدمات من المنتج أو البائع.
وهذا التمويل يتم الحصول عليه من الكسب أو الدخل الذى ينفق جزء منه على الاستهلاك ويدخر الجزء الباقى لاستثماره، وبالتالى فإن الوجه المالى للنشاط الاقتصادى يتمثل فى كل من الكسب، والإنفاق، والادخار الذى يوجه للاستثمار، وهى ما جمعها الحديث الشريف واضعاً الصيغة المثلى لكل منها على النحو التالى:
أولا: بالنسبة للكسب: فهو القدر من المال الذى يحصل عليه الإنسان نتيجة مساهمته فى العملية الإنتاجية ولقد وصفه الحديث الشريف بكونه (طيباً) أى حلالاً أو مشروعاً، ويظهر البُعد الاقتصادى فى تسمية الدخل كسباً وهو ما يحصل بمجهود بما يعنى أن يكون الدخل نتيجة إسهام الإنسان فى عملية إنتاجية تضيف منفعة ولا تنطوى على مفسدة، فالكسب من المحرمات ليس طيباً، لأن هذه المحرمات إن كانت خمراً تفسد العقل، وإن كانت بغاء تفسد النسل، وإن كانت أغذية فاسدة تفسد الجسم أو النفس وهذه هى مقومات الحياة الخمس التى يمثل إيجادها وحفظها وعدم إفسادها مقاصد الشريعة الإسلامية، ومن وجه آخر فإن الكسب الطيب هو الذى يستحقه الإنسان نتيجة الإسهام الإيجابى فى النشاط الاقتصادى، فالكسب الذى يحصل عليه ولا يستحقه مثل الاختلاس والرشوة والأجر بلا عمل والغش والتدليس فى البيع ليس طيباً ولا مشروعاً وهكذا فإن الالتزام بالكسب الطيب يعمل على تحقيق الكفاءة الاقتصادية والعدالة فى التوزيع وهما مقياس نجاح أى اقتصاد.
ثانيا: بالنسبة للإنفاق وهو ما يستحقه الإنسان من المال الذى اكتسبه لإشباع حاجاته الحاضرة، وقد وصفه الحديث الشريف (بالقصد) وضد القصد، الإسراف والتبذير والتقتير وهى ممارسات منهى عنها شرعاً.
أما الإسراف: فمعناه فى الفكر الإسلامى صرف الشىء فيما ينبغى زائداً على ما ينبغى، ومثاله: فى مجال الإنفاق الإنتاجى الإسراف فى استخدام المواد الخام ويأتى ذلك بعدم إتقان الصنعة فتزيد المخلفات الصناعية، أو تعيين عمال أكثر من الحاجة، أو العمل ببطء وضياع وقت العمل وبالتالى تزيد الأجور وكذا وجود طاقة عاطلة ممثلة فى الآلات الزائدة أو التى تعمل من طاقتها الإنتاجية المتاحة وهكذا، أما الإسراف فى مجال الإنفاق الاستهلاكى فيحدث عندما يحتاج الإنسان إلى طعام مثلاً فيشترى كمية أكبر من حاجته ويرمى الباقى فى الزبالة، وينطبق هذا على باقى السلع مثل الملابس والسيارات الزائدة والأثاث الزائد وهكذا، ويظهر بعده الاقتصادى فى أن الإسراف يؤدى إلى تبديد الموارد وضياع الأموال وتعطيل الطاقات.
وأما التبذير: فمعناه صرف الشىء فيما لا ينبغى، كما أن ينفق الإنسان على شىء لا يستخدمه أو يحرم عليه استخدامه وبذا يقول العلماء إن التبذير هو الإنفاق على المعاصى، ويظهر الأثر الاقتصادى للتبذير فى أنه يؤدى إلى سوء تخصيص الموارد.
وأما التقتير: فمعناه صرف الشىء فيما ينبغى أقل مما ينبغى، ومثاله اقتصادياً أن يدفع أجوراً للعمال أقل مما يستحقونه أو يشترى خامات للإنتاج أقل من اللازم كماً أو نوعاً، وهو بهذا الشكل يؤدى إلى وجود منتجات غير جيدة بما يمثل تبديداً للموارد.
ثالثاً: بالنسبة للمدخرات: وهى المبلغ الذى يتبقى من الكسب أو الدخل بعد الإنفاق على الاستهلاك، وهى أمر مهم وضرورى لاستمرار النشاط الاقتصادى، ذلك أن عملية الإنتاج تحتاج إلى استثمارات لإحلال الأصول الرأسمالية التى انتهى عمرها الإنتاجى حتى يظل الإنتاج فى مستواه الحالى، وأيضاً لزيادة الطاقة الإنتاجية لمواجهة الزيادة فى الطلب على السلع نتيجة زيادة عدد السكان، وتمويل ذلك كله يتم من المدخرات التى تمثل ضرورة لضمان استمرار النشاط الاقتصادى، كما أن الإنسان قد يحتاج إلى مبالغ لينفقها على حاجات قد تطرأ عليه فى المستقبل، ولقد عبّر الحديث الشريف عن هذه المدخرات (بالفضل) أى الزيادة فى الكسب عن مواجهة الإنفاق الاستهلاكى وجعلها عملية ضرورية وإرادية بمعنى أن الإنسان فى نشاطه الاقتصادى يجب أن يراعى ألا ينفق كل دخله فى الحاضر، إنما يبقى أو يدخر جزءاً منه لمواجهة احتياجاته فى المستقبل ولذا جاء التعبير (وقدَّم فضلاً ليوم حاجته).
وإلى جانب ما اشتمل عليه الحديث من تناول عناصر الاقتصاد الثلاث فإن ما ورد فى صدر الحديث (رحم الله امرء) له مغزى آخر وهو أنه من يلتزم بهذا التوجيه (يرحمه الله) بمعنى يجعل حياته الاقتصادية خالية من المشاكل.. كما أن الحديث لم يقل رحم الله المسلم ولكنه قال (امرء) فأى إنسان يلتزم بهذه التوجيهات تتحقق له الفائدة الاقتصادية المرجوة. فصلى الله وسلم عليك يا رسول الله فلقد بلّغت الرسالة وأديت الأمانة وكنت رحمة للعالمين.
الاسم: محمد جرامون



